ثمّة خطأٌ مطبخيٌّ صغير ينتقل بهدوء بين البيوت المصرية منذ سنين. يُعِدّ أحدهم قهوةً تركيّةً طازجة، رغوتها لا تزال تتصاعد، يضع الفنجان على المائدة، ثمّ يُحرّك فيه ملعقةً من العسل. النيّة طيّبة — فنجانٌ أكثر حلاوةً، بشيءٍ أصدق من السكّر. غير أنّ التنفيذ، مع الأسف، يُهدر معظم ما دُفع ثمنه حين اشتُري العسل.
العسل الخامّ غذاءٌ حيّ. رائحته، وإنزيماته اللطيفة، وطابعه الزهري الذي يميّز جرّةً عن أخرى — كلّ ذلك حسّاس للحرارة. في اللحظة التي تلتقي فيها ملعقة من العسل الخامّ بقهوة تركية مصبوبة لتوّها على حرارة الغليان، يضيع في ثوانٍ معدودة معظم ما جعل هذا العسل يستحقّ الاقتناء. الفنجان حلو، نعم. لكنّه لم يَعُد محلّى بالعسل الذي اخترته. بل بسكّرياتِ عسلٍ طُبخ في صمت.
هذه نظرةٌ هادئة إلى الكيفية التي يمكن بها للبيوت المصرية أن تُحلّي القهوة — والشاي — بالعسل دون أن تُضيّع العسل.
١) ماذا تفعل الحرارة بالعسل الخامّ
العسل أكثر من مجرّد سكّرياته. هو يحمل طبقةً دقيقةً من المركّبات العطرية، وإنزيماتٍ موجودةً فيه طبيعيًّا، وبصمةً زهريّةً رقيقة قادمة مباشرةً من الحقل الذي عمل فيه النحل. وهذه الأرقام موثَّقة في عُرف النحّالة وفي ما كتبناه نحن في مقالة قراءة تقرير معمل العسل.
الخلاصة، بلغة المطبخ: تحت الأربعين درجة مئوية — درجةُ الشُّرب الدافئة — يبقى العسل على حاله تقريبًا. بين الأربعين والستّين، تخفّ الرائحة وتلين النغمات العليا، لكنّ العسل لا يزال يُعرَف. فوق الستّين يبدأ الضرر الفعلي: يتحوّل العسل وظيفيًّا إلى مُحلٍّ فحسب، لا إلى نكهة. وفوق الثمانين تتكَرْمَل السكّريات قليلًا، فيكتسب الفنجان حلاوةً مسطّحةً ذات لمحةٍ محروقة لا تنتمي إلى أيّ عسلٍ بعينه.
القهوة التركية المسكوبة لتوّها تستقرّ فوق التسعين درجة مئوية في الدقيقتين أو الثلاث الأولى داخل الفنجان. والعسل الخامّ الذي يُضاف في تلك اللحظة لا يُضاف إلى القهوة — بل يُطبَخ فيها.
٢) التسلسل الصحيح
العلاج صغير. لا يحتاج إلى ميزان حرارة.
للقهوة التركية. اسكب القهوة. انتظر من ثلاث إلى خمس دقائق — مدّةً تكفي لتهدأ الرغوة ويصبح الفنجان مريحًا لليد دون الحاجة إلى لفّه بمنشفة. ثمّ حرّك ملعقة العسل. تكون القهوة عندها في حدود الستّين درجة، صالحةً للشرب، ودافئةً بما يكفي لإذابة العسل بنظافة. والرائحة تنتقل.
للشاي. الشاي أكثر تسامحًا. اسكب الشاي، انتظر دقيقتين تقريبًا، ثمّ أضف العسل. وإن قُدِّم الشاي في كوبٍ زجاجي — يحفظ الحرارة بشكلٍ مختلف عن الكوب البورسلين — فدقيقتان ونصف هو الانتظار الأنسب.
القاعدة الواحدة، التي يسهل تذكُّرها: إن صار الفنجان مريحًا لتحتضنه راحة اليد، فهو جاهز لاستقبال العسل. أمّا إن كانت حافّته لا تزال تحرق الشَّفَة، فالفنجان أسخن من أن ينجو فيه العسل.
٣) أيّ عسلٍ يصلح للقهوة وأيّها لا يصلح
ليس كلّ عسلٍ يحضر في فنجان قهوةٍ تركية. القهوة مرتفعة الصوت. لها عمقها المُحمَّص، ومرارتها، وعمودها العطري. والعسل الذي يُضاف إلى القهوة لا بدّ أن يكون من العمق بحيث يُلحَظ تحت كلّ ذلك.
عسلات تصمد في القهوة. الجرار الأعمق والأكثر دسامة. عسل البردقوش يعمل بإتقان — ثقله العشبي يصمد أمام نَفَس التحميص، فينتهي الفنجان بختامٍ هادئٍ يكاد يُشبه البلسم. ودفعةٌ أغمق من عسل البرسيم تصمد أيضًا، فتُضفي حلاوةَ كراميل نظيفة دون أن تزاحم القهوة في طابعها. في البيوت التي تحتفظ بأكثر من جرّة، هذه هي «جرّات القهوة» — تُفتَح بعد الظُّهر، وتُحرَّك في الفنجان الثاني من اليوم.
عسلات تُهدَر في القهوة. الزهرية الأخفّ. عسل الموالح الخامّ — أكثر جرّاتنا إشراقًا وأكثرها رائحةً على رفّ حَيدَرَة — يكاد يختفي تمامًا تحت القهوة. تلك النفحة الزهرية التي تجعل ملعقةً من عسل الموالح لافتةً على رغيف الصباح، تضيع في اللحظة التي تلامس فيها فنجانًا مُخمَّرًا من القهوة. عسل الموالح ينتمي إلى الشاي، إلى الزبادي، إلى ملعقة الصباح — لا إلى القهوة. القهوة تبقى على طعمها سواءٌ أكان الموالح فيها أم لم يكن، والجرّة تُستنزَف أسرع ممّا ينبغي.
القاعدة في سطرٍ واحد: احتفظ بالعسلات الزهرية للأماكن التي يُسمَع فيها صوتها، واستعمل العسلات الأعمق حيث تحتاج أن تقف بجوار شيءٍ أعلى صوتًا.
٤) مطبخ الجرّتَين
المطابخ المصرية القديمة كثيرًا ما تعمل بنظامِ جرّتَين دون أن تسمّيه نظامًا. جرّةٌ تقيم بجوار رُكن القهوة — العسل الأعمق، عسل البردقوش أو عسل البرسيم، يُحرَّك في فنجان العصر أو في كوب الشاي الذي يُقدَّم للضيف في أواخر الزيارة. والجرّة الأخرى تستقرّ على رفّ الفطور — العسل الأكثر إشراقًا، عسل الموالح أو عسل برسيم أفتح، تُفتَح في الصباح للملعقة على رغيف الخبز وفوق الزبادي. وقد كتبنا عن إيقاع الصباح في مقالة ملعقة الصباح، وعن أنواع الشاي التي تنسجم مع أنواع العسل في دليل العسل والشاي.
إن كان البيت يحتفظ بجرّةٍ واحدة فحسب — وهذا حال معظم البيوت في البداية — فالنصيحة الصادقة أن يُخصَّص العسل الأكثر إشراقًا لرفّ الصباح، وأن يُحلّى فنجان القهوة بالسكّر أو يُترَك على حاله. عسل الموالح الخامّ أنفس من أن يُهدَر في فنجانٍ لن يُظهر ما دُفع ثمنه.
٥) الاختبار الهادئ على مائدة المطبخ
هناك اختبار صغير يحسم ما إذا كان نوع معيّن من العسل يستحقّ مكانه بجوار رُكن القهوة. لا يكلّف شيئًا، ولا يستغرق سوى دقيقة. حضّر فنجانين صغيرين من القهوة ذاتها. دع كليهما يهدأ حتى يصبح دافئًا تحتمله اليد. حرّك نصف ملعقة من العسل في الفنجان الأول، تذوّقه، ثم اشرب الفنجان الثاني دون عسل. إن كان الفنجان الأول يحمل طعم ذلك العسل بعينه — إن أمكنك تمييز رائحته الزهرية ولو خفيفة — فهذا العسل يستحقّ مكانه بجوار القهوة. أمّا إن كان طعمه قهوةً أحلى قليلًا فحسب، فالعسل ينتمي إلى مكان آخر: في الشاي، في الزبادي، أو على ملعقة الصباح.
٦) ملاحظة عن الأحجام
العسل الذي يُحرَّك في فنجان قهوةٍ يوميٍّ يدور أسرع ممّا يتخيّل المرء. جرّة الـ400 جرام هي الحجم المناسب لهذا الإيقاع — تُستهلَك في خمسة إلى سبعة أسابيع، والرائحة لا تزال في ذروتها. أمّا جرّة الـ800 جرام فتلائم البيوت التي تستخدم العسل ذاته في القهوة وفي الشاي وفي الطبخ. وقد كتبنا عن أحجام الجرار بصورةٍ أوسع في مقالة جرّة الـ800 جرام للاستعمال اليومي.
٧) المعنى الهادئ من وراء كلّ هذا
العسل الذي يُسكب في قهوةٍ تغلي حلو. أمّا العسل الذي يُحرَّك في الفنجان في اللحظة الصحيحة فهو الفنجان ذاته. الفرق عشرون ثانية من الصبر: تُرفَع الكنكة عن النار، يُسكب الفنجان، تُوضَع الملعقة بجواره، وينتظر البيت — مجرّد ما يكفي ليصير الفنجان أليفًا لليد. وعندئذٍ فقط، لا قبلها، تُفتَح جرّة العسل.
هذا هو التسلسل كلّه. أقدمُ من ماكينات الإسبريسو المستوردة، وأبسطُ من أيّ وصفة، وهو الطريق الصادق الوحيد لشرب فنجان قهوةٍ أُريدَ له أن يُحلّى بالعسل.
إن أردتَ توصيةً بالجرّة المناسبة لتستقرّ بجوار رُكن القهوة عندك — أو بالجرّة الأكثر إشراقًا التي يَحسُن أن تبقى بعيدةً عنها — راسلنا على واتساب +20 122 566 7775 أو اكتب إلى ogaballah@haydara.com.