في معظم المطابخ المصريّة ثَمَّةَ صَحْنٌ على مائدة الإفطار لا يحتاج إلى وصفة. زبادٍ ساده، بارد من الثلّاجة، يُسكب فوقه عسلٌ خامّ سَكبًا هادئًا. ربّما قليلٌ من الجوز المهروس. ربّما شريحةُ موز. وأكثر الأحيان لا شيء سواهما — زبادٍ وعسل — يُؤكلان على مهلٍ قبل أن يأخذ النهار سرعتَه.
إنّها من أقدم القِرانات في مطبخنا، ومن أبسطها. غير أنّ الأشياء البسيطة، كعادتها، تُقاس فيها الخيارات الصغيرة. نوعُ الزبادي الذي تختاره، والعسلُ الذي تسكبه، واللحظةُ التي تسكبه فيها — كلّ ذلك يُغيّر الصحن أمامك. هذه نظرةٌ هادئة على ما تعلّمته البيوت المصريّة عبر السنوات حتى يأتي الصحن متقنًا.
١) لماذا يجتمع الزبادي والعسل
الزبادي حامضٌ كثيف بارد. والعسلُ الخامّ حلوٌ بطيء، دافئ النكهة وإن سُكب باردًا. يوازن أحدُهما الآخر كما يتوازن صوتان في غناء — لا يُغرق صوتٌ صاحبَه. تُحدّ حموضةُ الزبادي إدراكَ نَفَحَة العسل، ويُليّن العسلُ حدّةَ الزبادي. كلٌّ منهما يُشبه نفسَه أكثر حين يكون في صحبة الآخر.
وثَمَّةَ صدقٌ في هذا القِران. كلاهما طعامٌ قصير المكوّنات، تليدٌ، ثابت. الزبادي حليبٌ وخميرة؛ والعسل ما حملته النّحلُ إلى الخليّة. لا يحتاج أحدُهما إلى تحسين. صحنُ الزبادي والعسل هو نسخةُ الإفطار من مكوّنَين رفضا أن يصيرا وصفة.
٢) اختيار الزبادي
أوّل قرار هو الزبادي نفسُه. وفي مصر، يعني ذلك غالبًا واحدًا من ثلاثة أنماط، والاختيار يُغيّر الصحن أكثر ممّا يتوقّع كثيرون.
الزبادي السّاده كامل الدّسم هو الخيار اليوميّ في معظم البيوت. ناعمٌ، حامضٌ هادئ، وغنيٌّ بما يكفي ليحمل العسل دون أن يُخفّفه. هذا هو الصحن الذي نشأت عليه أغلب العائلات المصريّة. ونوصي به لمن يجرّب هذا القِران لأوّل مرّة.
الزبادي المُصفّى أو على هيئة لبنة أكثفُ، وأشدّ كثافة، وأكثر حموضة قليلًا. تقطيرُ العسل على اللبنة طقسٌ صغير قائمٌ بذاته — أقربُ إلى طبقٍ مالحٍ منه إلى صحن إفطار — لكنّ الزبادي المُصفّى الأليَن جميلٌ مع العسل وقليلٍ من الجوز. كلّما كان الزبادي أكثف، وَجَب أن يكون سكبُ العسل أحرصَ: اليد الثقيلة هنا تُحوّل الصحن إلى تحلية.
الزبادي اليونانيّ أو المُتماسك يقف بين الاثنين. النكهةُ أنقى، والقوامُ أصلب، ويستقرّ العسلُ على السطح بدلًا من أن يغوص. ويُفضّله كثيرون لمظهره — شريطُ الذهب على بياض السطح — ولأنّه يتيح أكلَ العسل ملعقةً ملعقة لا مخلوطًا في القاع.
أيًّا كان النمط، فإنّ كاملَ الدسم هو الاختيار الصحيح غالبًا حين يكون العسلُ على المائدة. الزبادي قليل الدسم يفقد كثيرًا من جسمه، وينتهي الصحنُ مائيًّا بمجرّد أن يلامسه العسل.
٣) اختيار العسل
العسل هو القرار الثاني، وينبغي أن يُتّخذ والزبادي حاضرٌ في الذّهن.
الأعسال الزهريّة الخفيفة — الموالح، البرسيم. هي الخيار المصريّ الأشيع للزبادي، لأنّها تنسكب نقيّةً ولا تطغى على حموضة اللّبن. ملعقةٌ من عسل الموالح الخامّ على زبادٍ ساده هي الصحن الذي سيتذكّره أغلبُ الكبار من مائدة طفولتهم.
عسل البردقوش. هنا يصير الصحن أكثر نضوجًا. عسل البردقوش الخامّ المُصفّى — الخليّة الثالثة، الفيّوم — ٨٠٠ غرام يحمل نَفَحَةً عشبيّة هادئة تُحوّل الزبادي السّاده إلى ما يُشبه طبق إفطارٍ مالح. ملعقةٌ صغيرة تكفي؛ ملعقتان تزيد. ومَن يعتاد هذا القِران يُبقيه عادةً لأيّامٍ يُريد فيها أن يكون الإفطار أكثر تَأَنّيًا.
شمع العسل في الأعلى. لمن يحتفظ بجرّة من شمع العسل مع عسل البرسيم على الرفّ، فإنّ قطعةً صغيرة فوق الزبادي هي من أبسط مَوائد الكَرَم في المطبخ. يَلين الشّمعُ قليلًا أمام بُرودة الزبادي، ويسيل عسلُ البرسيم رويدًا على جانب القطعة، ويغدو الصّحنُ في عَيْن النَّاظر كما يَغدو في الذَّوْق.
والعسلُ المُتبلوِر يصلح هنا أيضًا، لا سيّما مع الزبادي على هيئة لبنة — الحبيبات الصغيرة تُضيف ملمسًا خفيفًا لطيفًا أمام نعومة اللّبن.
٤) الطريقة الصّحيحة للسَّكب
السَّكْبُ صغير، لكنّه مَهْمَل لا يجوز. قواعد قليلة تعلّمناها من بيوتٍ صنعت هذا الصحن جيلًا بعد جيل.
بارد على بارد. خُذ العسل من رفٍّ في حرارة الغرفة، لا من جوار الموقد. وليكن الزبادي مُبرَّدًا جيّدًا. التَّباينُ بين زبادٍ بارد وعسلٍ بطيء في حرارة الغرفة هو لُبّ القِران كلّه.
اِسكُبْ من ارتفاع. ارتفاعٌ يسير — عشرة سنتيمترات أو خمسة عشر — يمنح العسلَ شريطًا رفيعًا، فيرسم على السطح خطًّا بدلًا من أن يتجمّع في بقعة واحدة. هكذا يَسهُل أكلُ الصحن، وتصل الحلاوةُ إلى كلّ ملعقة.
لا تُقلِّبه. أو إن أردتَ فبَعد نهاية الصحن. الزبادي والعسل قِرانٌ طبقيّ — أوّل الملاعق يجب أن يكون زباديًا في غالبه، تَحُفّه حافةُ حلاوة، وآخر الملاعق يجب أن يكون حيث استقرّ العسلُ الباقي. والمَزجُ الكامل في البداية يُسطّح التجربةَ كلّها.
ملعقةٌ صغيرة لصحنٍ صغير، اثنتان للأكبر. خمسة إلى عشرة غرامات من العسل تكفي صحنًا وزنُه مئةٌ وخمسون غرامًا. القِران هنا توازن، لا حلاوة. وإن وجدت نفسَك تمُدّ يدَك للمرّة الثالثة، فالصحنُ يطلب مزيدًا من الزبادي، لا مزيدًا من العسل.
٥) ما يُضاف — وما يُترك
لا يحتاج الصحن إلى الكثير، غير أنّ ثَمَّةَ إضافاتٍ صغيرة تنتمي إلى مائدة الإفطار المصريّة.
الجوز، مهروسًا هرسًا خفيفًا. الرّفيق الأطبعُ. مرارةُ الجوز اليسيرة تُوازن الحلاوةَ واللّبن بصورة لا يبلغها سواه من المكسّرات.
شريحةُ موز. اختيارٌ يوميّ مفضّل في بيوت الأبناء الصغار. ليّنة، هادئة، وصوتٌ ثالث رقيق في الصحن.
قليلٌ من التَّمر مشطورًا. لإفطارٍ أثقل وأطول مَكثًا — لا سيّما في رمضان حيث ينتقل الصحنُ نفسُه إلى السُّحور بإضافة التمر وقليلٍ من الطّحينة جانبًا.
رشّةٌ من القرفة أو الحَبّة السّوداء. اختياريّة، لكنّها تليدةٌ في بعض بيوت الدّلتا. لمسةُ دفءٍ صغيرة تُحوّل الصحن إلى ما يُشبه طقسَ صباحٍ على مَهَل.
وما لا ينتمي إلى الصحن: الجرانولا، وشَرابُ الفاكهة المُعلّب، ومُسْتَخلَصُ الفانيليا، وأيّ حلاوةٍ مُصنَّعة. القِران يعمل لأنّ كلا المكوّنَين نقيٌّ قصير. وإضافةُ حلاوةٍ مُصنَّعة فوقهما تجعل الصحن شيئًا آخر مختلفًا تمامًا.
٦) الصحنُ الذي يستحقّ مكانَه على المائدة اليوميّة
ما يُبقي هذا القِران في البيوت المصريّة ليس الجِدّة، بل العكس. الزبادي والعسل على موائد إفطارنا منذ أجيال، في القرى وفي الشُّقَق، في الصّباحات المُسرعة وفي المُتمهّلة. يأكله العاملُ واقفًا قبل أن يخرج. وتُقدّمه الجدّةُ لأحفادها الزائرين. ويأكله زوجان شابّان في شرفةٍ قبل أن يَشتدّ الحَرّ.
لا يكلّف كثيرًا. ولا يحتاج إلى تحضير. ويستخدم اثنين من أقدم أطعمة المطبخ وأكثرها ثباتًا — اللّبن والعسل — ولا يطلب منهما إلّا أن يكونا كما هما. وفي ثقافةٍ غذائيّة كثيرًا ما تحتفي بالتعقيد، يبقى صحنُ الزبادي والعسل تذكيرًا هادئًا بأنّ أبسط القِرانات هي أحيانًا الأطولُ بقاءً.
ولمن يبني روتينًا يوميًّا حول العسل الخامّ، فإنّ جرّةَ عسل البردقوش ٨٠٠ غرام هي الاختيار الأطبعُ على رفّ الإفطار — كبيرةٌ بما يكفي لتمتدّ شهرًا حافلًا، عشبيّةٌ بما يكفي لتجعل صحنًا ساده شيئًا مُتعمّدًا، ثابتةٌ بما يكفي لتعيش جوارَ الزبادي على باب الثلّاجة. تناولنا حجم الجرّة في مقالة الجرّة اليوميّة.
إن أردتَ توصيةً بعَسلٍ يُناسب زباديَ صباحك، راسِلْنا على واتساب على الرقم +٢٠ ١٢٢ ٥٦٦ ٧٧٧٥ أو اكتُب إلينا على ogaballah@haydara.com.