في كثير من البيوت المصرية عادةٌ صغيرة، تكاد لا تُرى، في أول النهار. قبل أوّل فنجان قهوة أو شاي، قبل أن يُمدّ الخبز على المائدة، قبل أن يدور حديثٌ يُذكر، يمدّ أحدُ أهل البيت يده إلى برطمانٍ صغير على الرفّ، فيرفع ملعقةً واحدة من العسل إلى فمه. ليس علاجاً، ولا طلباً للحلاوة، وإنما هكذا يبدأ النهار.
كتبنا من قبل عن الملعقة ذاتها في الطرف الآخر من اليوم — عادةُ ما قبل النوم التي تناولناها في مقالة الليل. وهذه مقالتها النهارية: ملعقة الصباح، تُؤخذ على معدة فارغة، قبل أن يمرّ شيءٌ حارّ أو بارد على الشفتين. كثير من البيوت تحتفظ بالعادتين معاً، وأكثرها يميل إلى واحدة.
هذه نظرة هادئة في سبب بقاء صيغة الصباح، وما الذي يحدث فعلاً حين تتناولها، وأيّ أنواع العسل أنسبُ لأن تعيش على رفّ المطبخ لأوّل ما يُفتتح به اليوم.
١) من أين جاءت ملعقة الصباح
كان للمطبخ المصري القديم ترتيبٌ واضح في الصباح: برطمانٌ صغير من العسل على رفٍّ قريب — أحياناً ملفوفاً بقطعة قماش، وغالباً في زجاجٍ داكن — وملعقةٌ خشبية نظيفة موضوعة عرضاً على الغطاء. قبل أن تُغلى المياه، قبل أن يُقطّع الجبن، قبل أن يُنادى الأطفال للفطار، تتناول أمّ البيت ملعقتها. ثم تعطي أخرى لكلّ طفلٍ في طريقه إلى المدرسة. ثم يأخذ الأب ملعقته في طريقه إلى الباب.
لم يكن أحدٌ يسمّيها طقساً. كانت ببساطة كيف يُفتتح اليوم — كما يُفتح النافذة قبل إشعال البوتاجاز، وكما تُغسل اليدان قبل الجلوس إلى المائدة. لفتةٌ صغيرة، معقولة، قبل شغل الفطار الأطول.
والمدهش كم تمسّكت هذه العادة بأهلها في بيوتٍ تغيّر فيها كلُّ شيءٍ آخر من تفاصيل الصباح تقريباً. صار الخبز أحياناً شطيرة. وصارت القهوة أحياناً من ماكينة. وصار راديو المطبخ هاتفاً. ومع ذلك بقيت الملعقة الصغيرة، على المعدة الفارغة، قبل أيّ شيءٍ آخر.
٢) ماذا تفعل ملعقةٌ مع أوّل النهار في الحقيقة
الجسم بعد ليلةٍ طويلة من النوم يكون فارغاً بهدوء. قضى الكبدُ الليلَ يحرق من مخزونه في صمت ليبقي الدماغ والقلب في عملهما. وحين تُفتح العينان، يكون سكّر الدم في أقلّ نقاطه في اليوم، وينتظر الجسم وقوداً أوّلَ صغيراً قبل وصول الطعام الأكبر.
ملعقةٌ صغيرة من العسل الخامّ — نحو خمسة جرامات من الفركتوز والجلوكوز الطبيعيَّين، قد هضمها النحلُ سلفاً إلى صورةٍ يستعملها الجسم في الحال — توافق هذه اللحظة موافقةً حسنة. هو أصغر أنواع الوقود، بطيءٌ ونظيف: يكفي ليرفع ضباب الصباح قبل القهوة، ولطيفٌ بحيث لا يُحدِث الارتفاع والهبوط الذي تُحدثه قطعةٌ من المخبوزات. ما زال العلم في هذا الباب يُرسم، فلنقُل ما يصحّ: ملعقةُ الصباح قد تُعين الجسم على أن يثبُت قبل أن يبدأ اليوم. ليست علاجاً. هي طعامٌ صغير عاديّ، يُؤخذ في لحظةٍ صغيرة عاديّة.
ومن يداومون على هذه العادة سيخبرونك بأمرٍ أقلّ قابلية للقياس: أنّ ملعقةً من العسل قبل بدء اليوم تُغيّر ملمس الساعة الأولى. يهدأ الجوع قليلاً، وتصير القهوة أنقى مذاقاً، ويبدو الجسم وكأنّه يستيقظ من الداخل إلى الخارج لا العكس. لا شيء من ذلك ادّعاءٌ طبيّ. هو من النوع الصغير من الحقائق التي تُلاحَظ بالعين، وتثق بها البيوت القديمة دون أن تحتاج إلى إثبات.
٣) الطريقة الصحيحة في تناولها
العادة لطيفة، لكنها تستحقّ أن تُؤدّى بإتقان. قواعد صغيرة، أخذناها عن المطابخ المصرية القديمة:
على معدة فارغة. قبل القهوة، قبل الشاي، قبل الماء. متى دخل أوّلُ مشروبٍ صباحيّ، فاتت اللحظة. مغزى الملعقة أنها تنزل على جسمٍ لم يبدأ يومه بعد — من هنا تأتي اللطافة.
كوب ماء بدرجة حرارة الغرفة بعدها، لا قبلها. الترتيب المتوارَث: الملعقة أوّلاً، ثم وقفةٌ صغيرة ليستقرّ المذاق على اللسان، ثم كوبٌ بطيء من الماء بدرجة حرارة الغرفة بعد نحو دقيقة. الماء ينزل بالعسل برفق، ويعيد للجسم رطوبته بعد ليلٍ طويل، ويُهيّئ المعدة لما سيأتي من قهوةٍ أو فطار. أما الماء البارد في الجرعة نفسها فأقسى مما يظنّ كثيرون، وأمّا «شوت» الليمون والعسل فأقسى وأقسى، وهي عادةٌ مستعارة من الإنترنت لا من أيّ مطبخٍ مصريّ قديم.
ملعقةٌ جافة. دائماً. الملعقة المبلّلة تُدخل الماء إلى البرطمان، والماء مع الدفء مع الوقت هي الخلطة الوحيدة التي تُقصّر عمر العسل الخامّ على الرفّ. مَسحةٌ سريعة بقطعة قماشٍ نظيفة تكفي. تكلّمنا في هذا في مقالة حفظ العسل في البيت.
لا تتبعها بمشروبٍ مغليّ. يصبّ بعضُ الناس الملعقة مباشرةً في كوبٍ من الشاي الساخن أو ماءِ الليمون الحارّ، ظنّاً أنّ هذه هي التركيبة الصباحية الصحيحة. الحرارة فوق ٤٠°م تبدأ في تخفيف عَبَق العسل الخامّ، وفوق ٦٠°م تُلحق ضرراً حقيقياً بإنزيماته. مغزى تناول العسل الخامّ على الملعقة هو ما فيه من حياة. إن أردتَ عسلاً في الشاي بعدها في الصباح فلا بأس — لكن دع الشاي يبرد قليلاً، ودع ملعقة الصباح تكون لحظتها وحدها.
ملعقةٌ واحدة تكفي. ملعقةُ شاي — نحو خمسة جرامات — هي ما كانت البيوت القديمة تأخذه، وفي ذلك تواضعٌ مقصود. ملعقتان ليستا أفضل. العادة كلّها في صِغَرها.
٤) أيّ عسلٍ لرفّ الصباح
إن كانت ملعقةُ الليل تميل إلى الخفيف، فإنّ ملعقة الصباح تميل إلى الأغنى. ساعاتٌ قليلة من المعدة الفارغة تحتمل عَبَقاً أكثر مما تحتمله صيغةُ نهاية اليوم، وكثيرٌ من البيوت تُؤْثِر عسلاً أعمق ليُفتتح به اليوم.
عسل البردقوش. الاختيار الصباحيّ الأكثر شيوعاً في البيوت التي تحتفظ ببرطمانَين. النفحة العشبية فيه راسخة، فيها ميلٌ يسيرٌ نحو الغير حلو، وتحمل نفسها جيداً على فمٍ فارغ. هو العسل الذي كثيراً ما يقال عنه إنه «يملأ الصدر» — دفءٌ صغير في وسط الجسم قبل أن تصل القهوة. كتبنا عن سبب كون برطمان الـ٨٠٠ جرام هو المقاس الصحيح للبيوت التي تتناوله يومياً في مقالة البردقوش.
عسل القطن وخلطات الزهور البريّة. أعمق لوناً، أميل إلى الغير حلو، وذيلُه أطول على اللسان. هذه الأنواع قد تثقل عند السرير، لكنها تكافئ حنكاً صباحياً فارغاً. وبرطمانات الزهور البريّة بالذات تتبدّل شخصيتها مع تقدُّم السنة — يعمق عَبَقها كلّما جفّت خلطة زهور الخريف — وهذا ما يجعلها لافتةً لمن يتناول الملعقة نفسها كلّ يوم.
الموالح والبرسيم. أزهار أخفّ. وهذه أنواع صباحية ممتازة، خاصةً لمن يجد الأنواع العشبية متقدّمةً عليه عند الفجر. ملعقةٌ من عسل الموالح في أوّل النهار مشرقةٌ ورافعة، وملعقةٌ من عسل البرسيم لطيفةٌ ونظيفة. ومن يحتفظون ببرطمانٍ واحدٍ فقط في البيت — لا برطمان صباحٍ وبرطمان ليل — غالباً ما يحتفظون بالموالح، لأنه يصلح لطرفَي اليوم.
وأبسط قاعدة، مرّةً أخرى: خذ ملعقةً صغيرة من العسل وحده، قبل أيّ طعام. أيُّها وجدت نفسك تنتظره في صباح الغد، فهو الصحيح لك.
٥) البرطمان الذي يسكن مطبخ الصباح
برطمانُ الصباح يُفتح أكثر، وبأيدٍ أكثر، من أيّ برطمانٍ آخر في البيت تقريباً. الأمّ، الأب، الأولاد — كلٌّ في لحظةٍ مختلفة من الصباح، ولكلٍّ ملعقتُه. يدور البرطمان دورته بسرعة.
ولمعظم البيوت المصرية، تشير هذه السرعة إلى مقاسَي ٤٠٠ جرام و٨٠٠ جرام. الـ٤٠٠ جرام هو البرطمان الأنسب للبداية في بيتٍ أصغر — زوجَين، أو زوجَين ومعهما طفل — يُكمَل بريحٍ في أربعة إلى ستة أسابيع بمعدّل ملعقةٍ للفرد. أمّا الـ٨٠٠ جرام فهو برطمان البيت: يكفي لأسرةٍ من أربعة أن تأخذ ملعقتها اليومية، ويُكمَل في الوقت الذي يكون فيه العَبَق في ذروته. الـ٩٥٠ جرام الكبير رائعٌ في المطابخ التي يدخل فيها العسل في الطبخ والشاي أيضاً، لكن لأسرةٍ لا تأخذ سوى ملعقة الصباح، فإنّ الـ٨٠٠ جرام هو المقاس الأصدق غالباً.
ومكان البرطمان مهمّ أيضاً. رفّ المطبخ، بعيداً عن البوتاجاز، بعيداً عن النافذة. لا فوق المحمّصة. ولا على السطح الذي تصيبه شمسُ بعد الظهر. البرطمان الذي يُفتح كلّ صباح يعيش أفضل ما يعيش في الركن الأكثر استقراراً في المطبخ — الركن نفسه الذي يجلس فيه الملح والزيت. كتبنا عن جغرافيا رفّ العسل الصغيرة في مقالة الصيف وحفظ العسل.
٦) المعنى الهادئ من ورائها
ثَمّ سببٌ أخير لبقاء هذه العادة، ولا علاقة له بالتغذية. ملعقةُ الصباح لحظةٌ صغيرة مقصودة في أوّل يومٍ طويل — عشرون ثانية من السكون في مطبخٍ يوشك أن يمتلئ بضجيج الصباح. يُفتح البرطمان. الملعقة جافة. ويُؤخذ المذاق على مَهَل. لم يبدأ اليوم بعد، لكنّ أوّل فعلٍ لطيف فيه قد بدأ.
وفي بلدٍ تكون فيه الصباحات صاخبة — زحامٌ قبل طلوع الشمس، شَنَطُ المدرسة عند الباب، الكتّالة تُنادي — ملعقةٌ واحدة من العسل طريقةٌ صغيرة لأن يقول الإنسان: أنا هنا، ويستطيع اليوم أن يبدأ الآن.
هذه هي العادة كلّها. أقدمُ من راديو المطبخ، وأبسطُ من روتين الصباح، وتستحقّ أن تُحفظ.
إن أردت ترشيحاً للبرطمان الأنسب لملعقة صباحٍ يوميّة في بيتك، راسلنا على واتساب على +20 122 566 7775 أو اكتب إلينا على ogaballah@haydara.com.